۞ امام علی (ع) می فرماید:
امام صادق عليه السلام فرمود: مسلمان برادر مسلمان اسـت بـه او ظلم نمى كند و وی را خوار نمى سازد و غیبت وی را نمى كند و وی را فریب نمى دهد و محروم نمى كند. ‌وسائل الشيعه 8: 597 ‌

موقعیت شما : صفحه اصلی » تفسیر مصطفی جلد 1
  • شناسه : 3174
  • 03 فوریه 2022 - 1:42
  • 69 بازدید
  • ارسال توسط :
  • نویسنده : تفسیر رضوان
  • منبع : حوزه علمیه اصفهان
سورة الفاتحة آیه 1- المبحث الأوّل‏
سورة الفاتحة آیه 1- المبحث الأوّل‏

سورة الفاتحة آیه 1- المبحث الأوّل‏

سورة الفاتحة المباحث هنا: منها ما يتعلّق بمجموع السورة، و منها ما يتعلّق بمجموع الآية، و منها ما يتعلّق بالكلمات و الجمل. المبحث الأوّل ما يتعلّق بمجموعها و هو مشتمل على مسائل: المسألة الاولى: في معنى السورة و سيوافيك البحث حولها عند قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ‏[1] و قوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها[2]. المسألة الثانية: […]

...فهرست مطالب

سورة الفاتحة

المباحث هنا:

منها ما يتعلّق بمجموع السورة، و منها ما يتعلّق بمجموع الآية، و منها ما يتعلّق بالكلمات و الجمل.

المبحث الأوّل ما يتعلّق بمجموعها

و هو مشتمل على مسائل:

المسألة الاولى: في معنى السورة

و سيوافيك البحث حولها عند قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ‏[1] و قوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها[2].

المسألة الثانية:

هل هذه اولى سورة نزلت، أم غيرها؟

الأقوال في أوّل ما انزل أربعة:

1- اقرأ باسم ربّك‏[3]، و هو المرويّ عن عائشة و عن مجاهد و عطاء[4] و ابن يسار[5]، و هو قول أكثر المفسّرين.

______________________________
(1) البقرة (2): 23.

(2) النور (24): 1.

(3) العلق (96): 1.

2) سورة المدّثّر،

و هو قول سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد اللّه، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث‏[6].

3- سورة الفاتحة بتمامها،

و هو قول جماعة قليلين، و نسب ذلك في «الكشّاف» إلى الأكثر[7]، و هو محلّ منع، و لكنّه يساعده الاعتبار؛ لأنّ الصلاة كانت بالفاتحة عند الفرض و هو بمكّة، و لأنّها من الابتداء كانت مسمّاة بالفاتحة و بها فتح الوحي، و هو المراد من السبع المثاني على ما اشتهر في قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏[8] و هو مكّيّ، فإذا كانت هي مكّيّة، فهي أوّل ما نزلت؛ للإجماع المركّب، و لكنّه كما ترى.

4- التفصيل:

أوّل الآيات من «اقرأ»، و أوّل السور الفاتحة بتمامها.

و في المسألة بعض الأقوال الاخر.

و الذي هو الأظهر- حسب نصوصنا[9]– هو الأوّل، و لا ينافيه كون الفاتحة مكّيّة، كما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا ما قيل استدلالا على أوّليّة الفاتحة نزولا: بأنّها صورة إجماليّة من الكتاب العزيز، و نموذج من هذا البحر المحيط، فلها الإحاطة التامّة على ما فيه من التوحيد و القصص و الأحكام و غيرها، فهو ممّا لا يبالي به العاقل، و لا يركن إليه اللبيب؛ بداهة أنّ التاريخ لا يصطاد بالذوق و الاستحسان.

______________________________
(1) راجع الإتقان في علوم القرآن 1: 24.

(2) راجع البحر المحيط 8: 792.

(3) صحيح البخاري 6: 547، الإتقان في علوم القرآن 1: 92.

(4) الكشّاف 4: 775.

(5) الحجر (15): 87.

(6) تفسير نور الثقلين 5: 609.

و يعارضه ما افيد من:

أنّ سؤاله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عمّا يقرأ بعد الأمر بالقراءة- على ما في الكتب‏[10]– شاهد على عدم أنسه بالوحي و عدم سبقه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالبارقة الإلهيّة. و اللّه العالم.

نعم شهادة فضلاء الإسلام- كابن النديم، في كتابه «نور العلوم» المعروف ب «الفهرست»، ناقلا حديثا مسندا عن محمّد بن نعمان بن بشير[11]، و هو موجود في «البخاري»[12] و «مسلم»[13] و سائر ما قيل و مضى تورث الظنّ بل الاطمئنان بأوّليّة «اقرأ» إلى قوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏[14].

و قال أبو عبيدة في «فضائل القرآن»: حدّثنا عبد الرحمن … إلى أن قال: إنّ أوّل ما انزل‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏[15] و ن* وَ الْقَلَمِ‏[16]. انتهى.

و هو وحيد بهذا الذيل كما ترى.

______________________________
(1) الدّر المنثور 6: 368، الإتقان في علوم القرآن 1: 92.

(2) الفهرست، ابن النديم: 28.

(3) راجع صحيح البخاري 1: 59.

(4) راجع صحيح مسلم 1: 188.

(5) العلق (96): 5.

(6) العلق (96): 1.

(7) انظر الإتقان في علوم القرآن 1: 92.

المسألة الثالثة

هل هي مكّيّة أو مدنيّة، أو مكّيّة و مدنيّة؟

بعد الاتّفاق على نزولها بتمامها في إحداهما، و لم يقطع في التنزيل.

أقول:

و ليعلم أنّ المفسّرين اختلفوا في المكّيّ و المدنيّ من السور[17]:

فقيل:

المكّيّ ما نزل في شأن أهل مكّة، و المدني غيره.

و قيل:

ما نزل بمكّة و لو بعد الهجرة.

و الجمهور على

أنّ المكّيّ ما نزل قبل الهجرة، و المدني ما نزل بعدها.

و على جميع التقادير، هي مكّيّة، و هو مختار أكثر أهل الفضل، و هو المحكيّ عن ابن عباس و قتادة و رفيع أبي العالية و غيرهم‏[18].

و عن أبي هريرة و مجاهد و عطاء و الزهري: أنّها مدنيّة[19].

و قيل:

هي مكّيّة و مدنيّة، و هو مختار النسفي و غيره‏[20]. و حكاه الثعلبي عمّن تقدّم عليه: نزلت بمكّة حين فرضت الصلاة، ثمّ نزلت بالمدينة حين حوّلت القبلة إلى الكعبة.

و يقال:

عن أبي الليث نصر بن محمّد بن إبراهيم السمرقندي في‏

____________________________
(1) انظر المصدر السابق 1: 36- 45.

(2) المصدر السابق 1: 46.

(3) المصدر السابق 1: 46، الدّر المنثور 1: 3.

(4) التفسير الكبير 1: 178، البحر المحيط 1: 16.

تفسيره:

أنّ نصفها نزل بمكة و نصفها نزل بالمدينة[21].

و هذان القولان بلا حجّة و برهان، و مجرّد الإمكان غير كاف.

و حيث اتّفقوا على أنّ قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي‏[22] مكّيّ، و يكون المراد منه هذه السورة، فهي مكّيّة.

و يشكل ذلك من ناحيتين:

الاولى:

قال ابن عباس:

اوتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سبعا من المثاني، قال:

السبع الطّول (ذكره النسائي)[23]، و هي من البقرة إلى الأعراف ستّ، و اختلفوا في السابعة[24]، فقيل: يونس، و قيل: الأنفال و التوبة، و هو قول مجاهد و سعيد بن جبير. و في شعر الأعشى:

و ادرسوا هذي المثاني و الطوال و أمّا رواياتنا، ففيها ما يعيّن أنّ المراد منه هي الفاتحة؛

فعن «التهذيب» بإسناده عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن السبع المثاني و القرآن العظيم، أ هي الفاتحة؟ قال: نعم».

الحديث‏[25]، و مثلها مرفوعة ابن يونس‏[26] و خبر أبي بكر الحضرمي‏[27].

______________________________
(1) الإتقان في علوم القرآن 1: 47، نقل عن تفسير السمرقندي.

(2) الحجر (15): 87.

(3) سنن النسائي 2: 140.

(4) انظر الإتقان في علوم القرآن 1: 220.

(5) تهذيب الأحكام 2: 289/ 13.

(6) تفسير العيّاشي 1: 19.

(7) المصدر السابق 1: 21.

الثانية:

أنّ دلالة الآية الكريمة الشريفة على أنّها نزلت قبل نزول هذه الآية، مبنيّة على اعتبار الزمان في الفعل الماضي، و لا سيّما في الأفعال المستعملة في حقّه تعالى.

و لكن مع ذلك كلّه، مقتضى مفروضيّة الصلاة في مكّة، و «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»- كما في روايات الخاصّة و العامّة[28] – و سائر ما أشير إليه، أنّها إلى المكّيّة أقرب.

و قيل:

المرسوم في عناوين المصاحف أنّها مدنيّة، فالسيرة العمليّة حجّة على مدنيّتها. و هو محلّ منع؛ لأنّ المرسوم فيما عندي أنّها مكّيّة، فراجع. مع أنّ من الممكن اشتباه الكاتب الأوّل في ذلك، و لصيانة الكتاب عن أيدي التصرّف اقتصروا عليه، كما ترى في الأغلاط الخطّيّة الآتي بحثها.

و غير خفيّ:

أنّ سورة الحجر مكّيّة بالاتّفاق إلّا آية لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي‏[29] و إلّا قوله تعالى: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ‏[30].

هذا، و الذي يظهر من تتبّع الآثار و مراجعة الأخبار: أنّ الصلاة كانت مفروضة في مكّة[31]، بل كان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي قبل البعثة- كما في‏ سيرته‏[32]-،و قد وردت في أحاديثنا و أحاديث العامّة ما يدلّ على أنّ‏ «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»،

______________________________
(1) عوالي اللآلي 1: 196، 2: 218، 3: 82. مستدرك الوسائل 1: 274، كتاب الصلاة، الباب 1، الحديث 5. سنن ابن ماجة 1: 273، كتاب إقامة الصلاة و السنّة فيها، الباب 11، الحديث 837. صحيح مسلم 1: 375، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 34.

(2) الحجر (15): 87.

(3) الحجر (15): 90.

(4) راجع على سبيل المثال وسائل الشيعة 4: 16، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 2، الحديث 10.

و قضيّة إطلاق هذه الأخبار و تلك التعابير:

أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما كان يصلّي بغيرها؛ لظهور الروايات في تقوّم طبيعة الصلاة بها مطلقا، فصلاته قبل البعثة كانت معها، فهي أوّل ما نزل. و اللّه الموفّق، فليتأمّل.

بحث و تحصيل‏

الذي يساعد عليه الاعتبار في ميزان المكّيّ و المدنيّ ما عليه الأكثر، و هو: أنّ ما نزل في مكّة و نواحيها قبل الهجرة فهو مكّيّ، و ما نزل بالمدينة بعد الهجرة و إن نزل بغيرها فهو مدنيّ، و لذلك تكون سورة النصر مدنيّة مع أنّها نزلت بمنى في حجّة الوداع. و غير خفيّ أنّ عهد نزول القرآن

ينقسم إلى زمانين متمايزين:

الأوّل:

مدّة مقامه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مكّة، و هي اثنتا عشرة سنة و خمسة أشهر و ثلاثة عشر يوما، و قيل: من يوم 17 رمضان سنة 41- يوم الفرقان- إلى أوّل يوم من ربيع الأوّل سنة 54 من ميلاده.

الثاني:

زمان نزوله بعد الهجرة إلى المدينة، فالمدنيّ نحو 11/ 30.

قال أبو الحسن ابن الحصار في كتابه «الناسخ و المنسوخ»:

المدنيّ بالاتّفاق عشرون سورة، و المختلف فيه اثنتا عشرة سورة، و ما عدا ذلك مكّيّ بالاتّفاق، و هي: 1- البقرة 2- آل عمران 3- النساء 4- المائدة 5- الأنفال 6- التوبة 7- النور 8- الأحزاب 9- محمّد 10- الفتح 11- الحجرات 12- الحديد 13- المجادلة 14- الحشر 15- الممتحنة 16- الجمعة 17- المنافقون 18- الطلاق 19- التحريم 20- إذا جاء نصر اللّه‏[33].

______________________________
(1) راجع السيرة النبويّة، ابن هشام 1: 260.

و وافقه على جميعها في ذلك أبو بكر ابن الأنباري (المتوفّى 328)، و محمّد بن القاسم إلّا في الأنفال، و أبو عبيدة القاسم بن سلام (المتوفّى 334) في «فضائل القرآن» إلّا في الحجرات و الجمعة و المنافقون، و صاحب الفهرست محمّد بن إسحاق (المتوفّى 385) برواية محمّد بن نعمان بن بشير المذكورة في «أوّل ما نزل من القرآن» إلّا في الأحزاب.

فالمتّفق عليه بين هؤلاء الأربعة- الذين اشتهر صيتهم بين الأفاضل و الأعلام- خمسة عشر سورة ممّا ذكره أبو الحسن في كتابه «الناسخ و المنسوخ». و المختلف فيه خمسة: الأنفال، خالف فيها ابن الأنباري؛ و الحجرات و الجمعة و المنافقون، خالف فيها أبو عبيدة؛ و الأحزاب، خالف فيها صاحب الفهرست.

______________________________
(1) الإتقان في علوم القرآن 1: 44.

المسألة الرابعة

إذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي قبل البعثة أو بعدها و قبل نزولها، فما ذا كان يقرأ في صلاته؟

لا شبهة في أنّ الصلاة كانت مخترعة قبل الإسلام؛ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ[34]، و أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- على ما قيل- كان يصلّي في المسجد الحرام في ابتداء البعثة بل و قبلها. فإن كان بعد البعثة و بعد تشريعها، فالجواب واضح. و إن كان قبلها، أو قلنا بأنّها مدنيّة، أو مكّيّة و لكنّها نزلت بعد تشريع الصلاة، فربّما يشكل. و لكن التاريخ قاطع بأنّ نزولها لم يكن بعد تشريعها. نعم لا يمكن الإحاطة العلميّة بسيرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و الذي يمكن

أن يقال:

إنّه كان يصلّي من غير الفاتحة؛ لأنّها ليست ركنا، و أدلّتها لا تفيد بطلانها بدونها على الإطلاق، كما هو الظاهر.

أو يقال:

بنزولها عليه قبل البعثة أو بعدها و قبل أن يأمر بإبلاغها إلى الامّة الإسلاميّة؛ فإنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما كان قبل البعثة على دين اليهود و النصارى، فربّما كان نبيّا ثمّ صار رسولا.

قال ابن عطيّة:

ظنّ بعض العلماء أنّ جبرئيل عليه السّلام لم ينزل بسورة الحمد؛ لما رواه مسلم عن ابن عبّاس، قال: «بينما قاعد عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سمع نقيضا (هو الصوت) من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قطّ إلّا اليوم فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم فسلّم فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب و خواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلّا أعطيته»[35].

انتهى.

______________________________
(1) مريم (19): 31.

و الذي يصطاد منه:

أنّ هذه المسألة، ليست حديثة، فلعلّ الملك كان ينزل عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل ذلك، و كان يأخذ عنه المعارف قبل البعثة، و كان عارفا بأحكامه الفرديّة، فيقرأ القرآن قبل أن يقضى إليه وحيه بتوسّط جبرئيل بعنوان الرسالة.

و ربّما يشهد لذلك قوله تعالى في سورة طه: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏[36].

أو أنّ القرآن حسب قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ[37] و قوله تعالى: فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ[38] و قوله تعالى‏ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏[39]– و لو كان بمعنى بعض القرآن لما كان له اختصاص بالذكر و شرف- فهو يوحى بصورة وحدانية مرّة، و اخرى بصورة مفصّلة نجوما و تدريجا؛ كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ‏[40]، و ربّما كان ذلك الإجمال- حسب ما يظهر من سيرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل البعثة- يوحى إليه قبلها، فكان عارفا بحقائقه و بواطنه أو بألفاظه على نعت الإجمال و الاندماج.

______________________________
(1) الجامع لأحكام القرآن 1: 116.

(2) طه (20): 114.

(3) القدر (97): 1.

(4) الدخان (44): 3.

(5) البقرة (2): 185.

(6) هود (11): 1.

المسألة الخامسة

حول ألقاب هذه السورة عددا و علّة

و هي عشرة:

الفاتحة، الحمد، امّ الكتاب، و السبع من المثاني، و السبع، و المثاني، و الوافية، و الكافية، و الأساس، و امّ القرآن.

و هنا أخريات غير معروفة:

الشفاء، و الشكر، و الدعاء، و تعليم المسألة و الصلاة.

و وجه الكلّ معروف و مذكور في المفصّلات‏[41].

مسألتان:

الاولى: في وجه التسمية بالفاتحة

لا وجه لتسميتها بالفاتحة إلّا باعتبار افتتاح الكتاب التدويني بها، و هذا هو الحادث المتأخّر عن عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و ما و الذي هو الأنسب كونها افتتاح التنزيل، و هو خلاف ما تقرّر.

قيل:

إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمر عثمان أن يضعها أوّل المصحف الشريف،غير ثابت عن الكتب المعتبرة.

______________________________
(1) انظر التفسير الكبير 1: 173- 177، و الإتقان في علوم القرآن 1: 187- 191، و الجامع لأحكام القرآن 1: 111- 113، و روح المعاني 1: 33- 37.

و قد اشتهر في المآثير توصيفها بالفاتحة، و إليها تنصرف هذه اللفظة عند الإطلاق حتّى في عهد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، كما ترى فيما يتعلّق بأحكامها.

و قيل:

لأنّها مفتاح الكتاب التكويني الذي هو جملة ما سوى اللّه بحقيقتها التي هي كلام اللّه تعالى الحقيقي، و هو مقام التسمية، و أصل جملة ما عداه تعالى.

و لعلّها سمّيت بها لافتتاح الصلاة بها، و كانت الصلاة مفروضة من ابتداء البعثة، فاشتهرت بها[42]. و هذا هو الأقرب و لا مبعّد له.

الثانية: في وجه التسمية بالسبع المثاني‏

أمّا كلمة المثاني، فهو جمع مثنى، و هو المعدول عن اثنين اثنين. هذا حسب اللغة.

و يؤيّده ما

في العيّاشي عن يونس بن عبد الرحمن، عمن رفعه، قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام‏ وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏؟

قال: هي سورة الحمد، و هي سبع آيات، منها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏، و إنّما سمّيت المثاني؛ لأنّها تثنّى في الركعتين»[43].

______________________________
(1) تفسير بيان السعادة 1: 23.

(2) تفسير العيّاشي 1: 19.

و قيل:

هو من الثناء؛ لأنّ السورة ثناؤه تعالى‏[44].

و الظاهر:

أنّ المثاني اسم جمع لا مفرد له، و هي المعاطف من كلّ شي‏ء، كما في اللغة، و لأجل أنّها مشتملة على أسباب عطف النّاس إلى نفسها و أصل الكتاب و أساس الديانة، يناسب تسميتها بالمثاني.

و قيل:

سمّيت بذلك لأنّها استثنيت لهذه الامّة، فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها[45].

و قال السيوطي في «الإتقان»:

و قد وقفت للفاتحة على نيّف و عشرين اسما، و ذلك يدلّ على شرفها[46]. انتهى.

فكما أنّ من شرفه تعالى الأسماء الكثيرة، كذلك من شرافتها كثرتها.

المسألة السادسة

عن عدد آيها و كلماتها و حروفها

أمّا الأوّل:

فهي بإجماع أهل الفنّ سبعة[47]، إجماعا مركبا؛ لاختلافهم في البسملة، أنّها من السورة، أم هي من القرآن و ليست منها. و من أخرجها منها اعتبر الآية الأخيرة آيتين؛ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ‏ آية، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ‏ آية اخرى هي سابعة.

______________________________
(1) انظر الإتقان في علوم القرآن 1: 190، و تفسير بيان السعادة 1: 23، و روح المعاني 1: 36.

(2) انظر الجامع لأحكام القرآن 1: 112.

(3) الإتقان في علوم القرآن 1: 187.

(4) انظر المصدر السابق 1: 234.

 

فما عن الحسين بن الجعفي:

أنّها ستّ، و عن عمرو بن عبيد: أنّها ثمان، مخالف للإجماع و للأخبار من الطريقين.

لو لا النصوص المستفيضة الصريحة كان لإبداع الشبهة وجه:

فيقال:

إنّ البسملة من القرآن و ليست من السورة، و إنّ السّور كلّها مصدّرة بها تيمّنا و تبرّكا، و لو كانت منها كان ينبغي أن تكون سورة العلق هكذا: «اقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم»، كما لا يخفى.

و الاستدلالات الكثيرة على أنّها من الحمد، تفيد كونها من الكتاب، و هذا ما هو أكثر دورا في كتبهم: أنّه مكتوب في المصاحف بالخطّ الذي كتب به المصحف، مع تجنّبهم إثبات الأعشار و الأخماس كذلك.

و عن ابن عباس:

«من تركها فقد ترك مائة و أربعة عشر آية من كتاب اللّه»[48]. فتأمّل.

و يؤيّد ذلك:

أنّ مالكا و غيره من علماء المدينة، و الأوزاعي و جماعة من علماء الشام، و أبا عمرو و يعقوب من قرّاء البصرة، و هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، يرون أنّها آية من القرآن، أنزلت لبيان رؤوس السور و الفصل بينها.

و عن عبد اللّه بن مسعود: أنّها ليست من القرآن أصلا[49]، و هو رأي بعض الحنفية؛ مستدلّين‏

بحديث أنس، قال: «صلّيت خلف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خلفائه‏  الثلاثة و قد تركوها في قراءتهم»[50].

______________________________
(1) الكشّاف 1: 1.

(2) انظر التفسير الكبير 1: 218، و الإتقان في علوم القرآن 1: 270.

و لا يخفى ما في الاستدلال؛ لأنّ عدم وجوبها في الصلاة لا يدلّ على عدم كونها من الفاتحة، فضلا عن عدم كونها من الكتاب، و ما دلّ على أنّ الصلاة مشروطة بالفاتحة قابل للتخصيص.

و غير خفيّ: أنّ عمرو بن عبيد، جعل‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ آية، و إذن يمكن جعلها تسع آيات؛ بناء على تقسيط الآية الأخيرة.

و سيأتي زيادة توضيح ينفعك في البحث عن جزئيّة البسملة إن شاء اللّه تعالى.

المسألة السابعة

الأخبار في الحثّ على قراءتها و فضيلتها

1- «ثواب الأعمال» بإسناده عن الصادق عليه السّلام: «اسم اللّه الأعظم مقطّع في امّ الكتاب»[51].

2- «الخصال» عنه عليه السّلام: «رنّ إبليس أربع رنّات: أوّلهنّ يوم لعن، و حين اهبط إلى الأرض، و حين بعث محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على حين فترة من الرّسل، و حين أنزلت امّ الكتاب»[52].

3- و عن جابر، عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث عنه تعالى: «و أعطيت امّتك‏ كنزا من كنوز عرشي؛ فاتحة الكتاب»[53].

______________________________
(1) صحيح البخاري 1: 187 كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 52.

(2) ثواب الأعمال: 233.

(3) الخصال 1: 291/ 141.

4- و عن الحسن بن عليّ عليهما السّلام، عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- بعد قصّة- قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من قرأ سورة فاتحة الكتاب، أعطاه اللّه تعالى بعدد كلّ آية نزلت من السماء، ثواب تلاوتها»[54].

و قد وردت في خواصّها

آثار و حكايات عديدة، فمن الآثار:

ما عن الكافي، مسندا عن عبد اللّه الفضل النوفلي رفعه، قال: «ما قرئت الحمد على وجع سبعين مرّة إلّا سكن»[55].

و فيه مسندا عن سلمة بن محرز، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: «من لم يبرئه الحمد، لم يبرئه شي‏ء»[56].

و عنه في الصحيح، عن معاوية بن عمّار، عن الصادق عليه السّلام، قال: «لو قرئت الحمد على ميّت سبعين مرّة، ثم ردّت فيه الروح، ما كان ذلك عجبا»[57].

و لو قيل:

الوجدان يقضي بخلافه، فكيف يجمع بينه و بين ما وصل إلينا من الآثار و الأخبار ما لا يحصى.

قلنا:

هذه القضايا المستعملة في هذه المواقف كلّها- في الاصطلاح- طبيعيّة مهملة، لا حقيقيّة عامّة.

فإذا قيل:

إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ[58]، ليس معناه أنّ كلّ صلاة تكون كذلك؛ ضرورة أنّ آيات الكتاب العزيز ليست نازلة لإخلال النظام البشري، و إيجاد الهرج و المرج، و إبراز المعجزات و خارق العادات على الدوام، بل لها شروط خاصّة، كما هو المحرّر عند أهله.

______________________________
(1) الخصال 2: 495/ 1.

(2) الخصال 2: 398/ 36.

(3) الكافي 2: 456/ 15.

(4) الكافي 2: 458/ 22.

(5) الكافي 2: 456/ 16.

المسألة الثامنة في أحكامها

قال الإماميّة:

الفاتحة واجبة في الصلاة و شرط فيها، و تتعيّن في كلّ صلاة ثنائيّة و في الأوليين في غيرها[59]، و يجوز قراءتها في الأخيرتين، و هي من السّنّة، كما في أخبارنا[60]، فلا تبطل الصلاة بتركها السهوي، بل و الجهلي.

و اختلفت آراؤهم في جواز القراءة و عدمه للمأموم، اختلافا شديدا[61]، فعن الدروس: ليست في الفقه مسألة مثلها في الخلاف‏[62].

و يجهر بها في المغرب و العشاء و الصبح و يوم الجمعة ندبا، إلّا في صلاة الجمعة.

______________________________
(1) العنكبوت (29): 45.

(2) الانتصار، السيد المرتضى: 41، المسألة 10. الخلاف، الشيخ الطوسي 1: 327، مسألة 80، تذكرة الفقهاء 1: 114.

(3) وسائل الشيعة 4: 781، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 42، الحديث 6.

(4) جواهر الكلام 9: 331- 319.

(5) لم يوجد في الدروس الشرعية، و التعبير من الشهيد الثاني، روض الجنان: 373.

 

و قال الحنفية:

«أيّ شي‏ء قرأ أجزأه؛ لأنّ الفاتحة كسائر السور في جميع الأحكام، فكذا الصلاة».

و قال الشافعي في «الامّ»:

«فواجب على من صلّى منفردا أو إماما أن يقرأ بامّ القرآن في كلّ ركعة، لا يجزيه غيرها». و بذلك قال الحنبلي و المالكي.

و قالوا:

فلو تركها سهوا فعليه أن يأتي بالركعة التي تركها فيها[63].

و هذا هو المعروف عن الآخرين.

و يدلّ عليه- مضافا إلى الاتّفاق- الأخبار و الأحاديث من طرق الخاصّة و العامّة، البالغة حدّ الاستفاضة قطعا، بل هي متواترة؛ لبلوغها في كتب العامّة إلى قريب من ثلاثين رواية.

و من أحكامها:

أنّ من تركها بزعم الجماعة تبطل صلاته؛ لحكومة

قوله: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»

على قاعدة «لا تعاد».

و قال في «التذكرة»:

«و عند بعض علمائنا أنّها ركن؛ لو أخلّ بها سهوا بطلت صلاته؛ و هو قول الشافعي في الجديد»[64]. انتهى.

و المشهور بين الأصحاب عدم البطلان؛ إمّا لأجل قصور دلالته على دخالتها في الاسم حتّى ادّعاء، أو لأنّ الأدلّة الخاصّة الناظرة إلى أنّ بطلانها منحصرة بما إذا تركها عمدا.

و منها: استحباب التحميد بقوله: «الحمد للّه ربّ العالمين» بعد الفراغ منها في الصلاة؛ منفردا كان أو جماعة، إماما كان أو مأموما؛ للنصوص الخاصّة[65].

______________________________
(1) تذكرة الفقهاء 1: 114، الفقه على المذاهب الأربعة 1: 229- 230.

(2) تذكرة الفقهاء 1: 117.

و أمّا أصحاب السّنّة فأجمعوا على استحباب التأمين لقارئ القرآن و في الصلاة[66]، و اختلفوا في استحباب الجهر و الإخفات، و في استحبابه للمأمومين، أو لهم و للإمام. و قد استندوا إلى روايات رواها أبو هريرة و أبو موسى الأشعري و وائل بن حجر؛ أخرج الأوّل الامّهات‏[67]، و الثاني أخرجه مسلم‏[68]، و الثالث أخرجه أبو داود[69] و الدار قطني‏[70]. و يشهد لذلك، السيرة الإسلامية.

فما في «التذكرة» من انفراد أبي هريرة بنقله‏[71]، غير صواب. فلو لا النصوص الخاصّة التي نهت عنه و أبطلت الصلاة معه، كان لتجويزه وجه قويّ؛ لاشتهاره بين المسلمين بجميع طوائفهم، فيكون هذه السيرة متّصلة إلى عصره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. هذا.

و ربّما يظهر أنّ ما هو المنهيّ عنه في أخبارنا هي كلمة «الآمّين» المشدّدة، كقوله تعالى: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ‏[72]؛

لقوله عليه السّلام- على ما فيها-:

______________________________
(1) وسائل الشيعة 4: 752، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 17.

(2) الفقه على المذاهب الأربعة 1: 250.

(3) صحيح مسلم 1: 192/ 72، صحيح بخاري 1: 369/ 739.

(4) صحيح مسلم 1: 189، كتاب الصلاة، الباب 16، الحديث 62.

(5) سنن أبي داود 1: 309/ 932.

(6) سنن الدارقطني 1: 334/ 5.

(7) تذكرة الفقهاء 1: 118.

(8) المائدة (5): 2.

 

«إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شي‏ء من كلام الآدميّين و التأمين من كلامهم»[73]؛

و ذلك لأنّ «آمين» على وزن فاعيل، ليس بعربيّ، كما صرّح به الزوزني في شرح القصيدة، و ما هو العربي هو الفعيل، لا فاعيل، كهابيل و قابيل. و أمّا ما في القرطبي من أنّه كياسين‏[74]، فمن عجيب التوزين؛ لأنّ ياسين مركّبة، فلا تخلط.

فالأصل هو الفعيل، و هو بمعنى الدعاء، كما عن أكثر أهل العلم، و معناه: «اللّهمّ استجب لنا»، و قيل: «فليكن كذلك»- قاله الجوهري‏[75]-، و بالأوّل قال جمع من اللّغويين أيضا.

و في المرويّ عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: «سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما معنى آمين؟ قال: ربّ افعل».

و قال الترمذي:

معناه: «لا تخيّب رجاءنا»[76]، فعلى هذا يجوز ذلك؛ لأنّه دعاء، و ليس من كلام الآدميّين.

و ممّا يشهد لذلك:

أنّ قول التشديد، نسب إلى الصادق عليه السّلام في المحكيّ عن أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري و أبي الحسن و الحسين بن الفضل،

و هو- بناء على التشديد- من أمّ إذا قصد؛ أي نحن قاصدون نحوك، و منه قوله تعالى: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ‏[77]. انتهى.

______________________________
(1) تذكرة الفقهاء 1: 118.

(2) الجامع لأحكام القرآن 1: 128.

(3) الصحاح 5: 2072.

(4) راجع الجامع لأحكام القرآن 1: 128.

(5) المصدر السابق 1: 128- 129.

فيكون على هذا «آمّين» جمع الآمّ؛ أي القاصد، و كأنّهم كانوا يريدون به ما يرجع إلى استلزامه كونه من كلام الآدميّين، كما سيظهر وجهه.

و قيل: قال قوم: هو اسم من أسماء اللّه تعالى، روي عن جعفر بن محمّد عليهما السّلام و مجاهد و هلال بن يساف، و هو في المروي عن عبّاس، عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، على ما هو المحكيّ عن ابن العربي‏[78].

و قيل: هو معرّب «همين» الفارسية. و قيل: هو معرّب كلمة فرنجيّة تقرب منه معنى.

و يظهر من اللغة: أنّ «أمين»- كفعيل- هو الأصل، و «آمين» إشباع «أمين»، و الإشباع جائز، و هذا هو الأقوى حسب الجمع بين الأدلّة.

و لك أن تقول: تحت النهي عنه و المنع منه و بطلان الصلاة معه سرّ و هو: أنّ الواجب في الصلاة هي القراءة، و القراءة متقوّمة بقصد الحكاية، فلا دعاء حين قراءة الفاتحة حتّى يلحقه الدعاء بالاستجابة، فهي كلمة لغو في الصلاة تورث بطلانها، و تصبح من كلام الآدمي.

اللّهمّ إلّا أن يقال بجواز الجمع بين قصد الحكاية و القراءة و قصد الإنشاء و إن كانا متنافيين. أو يقال بعدم الحاجة إلى قصد الحكاية و القراءة، بل الواجب هو الإتيان بفاتحة الكتاب في الصلاة، كما هو المستفاد من جمع من أخبارها[79].

______________________________
(1) راجع الجامع لأحكام القرآن 1: 128.

(2) راجع وسائل الشيعة 4: 732- 735، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1 و 2.

 

و ربّما يقال‏[80]: إنّ طلب الهداية عند قراءة قوله- عزّ من قائل-:

اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏ و نحوه في غيره، يستلزم المحذور العقلي، و هو تعدّد المحكي مع وحدة الحاكي؛ لأنّ القراءة هي الحكاية عن اللفظ باللفظ المماثل، و الإنشاء قصد ثبوت المعنى باللفظ، و لا يمكن استعمال اللفظ في اللفظ و في المعنى.

و توهّم: أنّ المعنى يقصد من اللفظ الذي هو المعنى، كما في أسماء الأفعال عند جمع، فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد، بل اللفظ الصادر من القارئ يستعمل أوّلا في اللفظ، و المعنى- و هو اللفظ الثاني- يراد منه المعنى الإنشائي.

غير صحيح.

بل أوضح استحالة من الأوّل؛ ضرورة أنّ الاستعمال إمّا بمعنى الإعلام و التفهيم، أو بمعنى إيجاد المعنى باللفظ و إخطاره، أو بمعنى إفناء اللفظ في المعنى، و الكلّ هنا غير متصوّر؛ لأنّ تلك الألفاظ الفانية قبل هذا الاستعمال لا تليق بذلك.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الاستعمال هو الاستثمار و الانتفاع من علق اللفظ و العلاقات الاعتباريّة الثابتة بين الألفاظ و المعاني، فلا مانع من استفادة المتكلّم من الألفاظ السابقة التي وجدت في كلام الغير أو في كلام نفسه.

و هذا هو أحد الوجوه في معنى الاستخدام، فإنّ اللفظ الذي له معنيان، قد اطلق أوّلا و أريد منه معنى، ثمّ بعد إرجاع الضمير يراد من ذلك اللفظ- و هو

______________________________
(1) تفسير التبيان 1: 46، انظر جواهر الكلام 10: 7.

المرجع- المعنى الثاني.

و الذي هو الحقّ في المسألة: أنّ ما هو الواجب تارة يكون عنوان الفاتحة، و اخرى عنوان قراءة الفاتحة. فإن قلنا بالأوّل، فلا نزاع في أنّها لا تتقوّم بقصد الحكاية، فيجوز الاقتباس بها للمعاني المقصودة، و تصحّ الصلاة.

و إن كان العنوان الثاني- كما هو قضيّة الجمع بين الأدلّة؛ من قولهم: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»

و من قولهم: «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» بناء على انطباقه عليها، أو الأدلّة السمعيّة و الأحاديث الآمرة بالقراءة في الصلاة- ففيه الخلاف بين الأعلام؛ فالمشهور عنهم عدم جواز الإنشاء لعدم إمكان الجمع بين اللحاظين، فلا بدّ من قصد الحكاية حتّى يحصل عنوان القراءة.

و الذي يظهر لنا هو الثاني؛ لأنّ الجمع المذكور- كما تحرّر في الأصول- ممكن، مع عدم تقوّم صدق القراءة بالحكاية؛ لأنّ معنى القراءة أعمّ ممّا توهّم، و ذلك لقوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏[81]. و إذا كانت الفاتحة محتاجة في كونها من القرآن إلى قصد القرآنيّة، كان للتوهّم المذكور و لما اشتهر وجه، و لكنّ القرآن يوجد و إن قصد غيره؛ لأنّه موضوع لهذه التراكيب المخصوصة، و المؤلّف من النسب و الإضافات على هيئات خاصّة. و لو كان ما يترنّم به العبد غير قرآن عند عدم قصد القرآنيّة، يلزم كونه مماثلا للكتاب، مع أنّ العبد عاجز عن‏ إيجاد مماثله و معجّز بقوله تعالى‏ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ‏[82].

______________________________
(1) العلق (96): 1.

و لذلك صار الاقتباس من اللطائف الكلاميّة، و هو تضمين الكلام بالقرآن أو حديث سيّد الأنام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و لو كان قصد شعر الشاعر، دخيلا في كونه شعره، يلزم أن يكون جميع أفراد الإنسان شعراء، مع أنّ الضرورة قاضية بأنّ من أظهر مرامه بشعر المتنبّي و امرئ القيس، لا يكون شاعرا، و ما ترنّم به هو شعرهما لا شعر الآخرين. بل لو فرضنا نسيانه الفاتحة، و لكنّه أتى بها من تلقاء نفسه، كفى و إن كان من مصاديق توارد الخاطر، حسب ما اصطلح عليه في علم البديع.

المسألة التاسعة في كونها من القرآن‏

أجمعت الامّة على أنّها من القرآن، و ربّما يشكل لعدم إثباتها في مصحف ابن مسعود، فلمّا لم تثبت دلّ على أنّها ليست منه، كالمعوذتين عنده.

و أجيب عنه: بأنّه بعد ما سئل عن ذلك و عن علّة خلوّ مصحفه عنها؟

قال: لو كتبتها لكتبتها مع كلّ سورة، و اختصرت بإسقاطها، و وثقت بحفظ المسلمين لها[83]. انتهى.

و كأنّه أراد من ذلك أنّ كلّ ركعة سبيلها أن تفتتح بامّ القرآن قبل‏

______________________________
(1) البقرة (2): 23.

(2) انظر الجامع لأحكام القرآن 1: 114- 115 حول الإشكال و الجواب المنقول عن ابن الأنباري.

 

السورة التالية بعدها، و ربّما يشعر بهذه المقالة قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏[84] لظهور العطف في المغايرة.

فعلى ما تحرّر و تقرّر يصعب الأمر جدّا؛ لأنّا إن قلنا: إنّ النقل المتواتر كان حاصلا في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن، فحينئذ كان ابن مسعود عالما بذلك، فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل.

و إن قلنا: إنّ النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلا في ذلك الزمان، فهذا يقتضي أن يقال: إنّ نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل، و ذلك يخرج القرآن عن كونه حجّة يقينية، و لذلك يتقوّى أنّ النسبة كاذبة جدّا.

و لك دعوى أنّ عدم حجيّة سورة من الكتاب قطعية، لا تستلزم عدم حجيّة سائر السور.

أو يقال: لا حاجة إلى كونها حجّة قطعية، بل يكفي كونها حجّة عقلائية؛ لما تقرّر عندنا أنّ احتمال التحريف المضرّ غير قابل لدفعه ثبوتا، و لكنّه ساقط إثباتا و متروك شرعا، فالكتاب حجّة عقلائيّة قويّة قريبة من القطعية. فما توهّمه الفخر في المقام غير تامّ‏[85].

______________________________
(1) الحجر (15): 87.

(2) التفسير الكبير 1: 218.

 

المسألة العاشرة نزولها جمعا و مفرّقا

السور مختلفة في النزول مفرّقا و جمعا. أمّا السور المنزّلة مفرّقة فهي كثيرة، و أمّا التي نزلت جمعا فهي سورة الفاتحة و الإخلاص و الكوثر و غيرها[86]، و قد عرفت من السمرقندي دعوى نزولها مفرّقا؛ جمعا بين كونها مدنيّة و مكّية.

______________________________
(1) انظر الإتقان في علوم القرآن 1: 136.

[1] البقرة( 2): 23.

[2] النور( 24): 1.

[3] العلق( 96): 1.

[4] راجع الإتقان في علوم القرآن 1: 24.

[5] راجع البحر المحيط 8: 792.

[6] صحيح البخاري 6: 547، الإتقان في علوم القرآن 1: 92.

[7] الكشّاف 4: 775.

[8] الحجر( 15): 87.

[9] تفسير نور الثقلين 5: 609.

[10] الدّر المنثور 6: 368، الإتقان في علوم القرآن 1: 92.

[11] الفهرست، ابن النديم: 28.

[12] راجع صحيح البخاري 1: 59.

[13] راجع صحيح مسلم 1: 188.

[14] العلق( 96): 5.

[15] العلق( 96): 1.

[16] انظر الإتقان في علوم القرآن 1: 92.

[17] انظر المصدر السابق 1: 36- 45.

[18] المصدر السابق 1: 46.

[19] المصدر السابق 1: 46، الدّر المنثور 1: 3.

[20] التفسير الكبير 1: 178، البحر المحيط 1: 16.

[21] الإتقان في علوم القرآن 1: 47، نقل عن تفسير السمرقندي.

[22] الحجر( 15): 87.

[23] سنن النسائي 2: 140.

[24] انظر الإتقان في علوم القرآن 1: 220.

[25] تهذيب الأحكام 2: 289/ 13.

[26] تفسير العيّاشي 1: 19.

[27] المصدر السابق 1: 21.

[28] عوالي اللآلي 1: 196، 2: 218، 3: 82. مستدرك الوسائل 1: 274، كتاب الصلاة، الباب 1، الحديث 5. سنن ابن ماجة 1: 273، كتاب إقامة الصلاة و السنّة فيها، الباب 11، الحديث 837. صحيح مسلم 1: 375، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 34.

[29] الحجر( 15): 87.

[30] الحجر( 15): 90.

[31] راجع على سبيل المثال وسائل الشيعة 4: 16، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 2، الحديث 10.

[32] راجع السيرة النبويّة، ابن هشام 1: 260.

[33] الإتقان في علوم القرآن 1: 44.

[34] مريم( 19): 31.

[35] الجامع لأحكام القرآن 1: 116.

[36] طه( 20): 114.

[37] القدر( 97): 1.

[38] الدخان( 44): 3.

[39] البقرة( 2): 185.

[40] هود( 11): 1.

[41] انظر التفسير الكبير 1: 173- 177، و الإتقان في علوم القرآن 1: 187- 191، و الجامع لأحكام القرآن 1: 111- 113، و روح المعاني 1: 33- 37.

[42] تفسير بيان السعادة 1: 23.

[43] تفسير العيّاشي 1: 19.

[44] انظر الإتقان في علوم القرآن 1: 190، و تفسير بيان السعادة 1: 23، و روح المعاني 1: 36.

[45] انظر الجامع لأحكام القرآن 1: 112.

[46] الإتقان في علوم القرآن 1: 187.

[47] انظر المصدر السابق 1: 234.

[48] الكشّاف 1: 1.

[49] انظر التفسير الكبير 1: 218، و الإتقان في علوم القرآن 1: 270.

[50] صحيح البخاري 1: 187 كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 52.

[51] ثواب الأعمال: 233.

[52] الخصال 1: 291/ 141.

[53] الخصال 2: 495/ 1.

[54] الخصال 2: 398/ 36.

[55] الكافي 2: 456/ 15.

[56] الكافي 2: 458/ 22.

[57] الكافي 2: 456/ 16.

[58] العنكبوت( 29): 45.

[59] الانتصار، السيد المرتضى: 41، المسألة 10. الخلاف، الشيخ الطوسي 1: 327، مسألة 80، تذكرة الفقهاء 1: 114.

[60] وسائل الشيعة 4: 781، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 42، الحديث 6.

[61] جواهر الكلام 9: 331- 319.

[62] لم يوجد في الدروس الشرعية، و التعبير من الشهيد الثاني، روض الجنان: 373.

[63] تذكرة الفقهاء 1: 114، الفقه على المذاهب الأربعة 1: 229- 230.

[64] تذكرة الفقهاء 1: 117.

[65] وسائل الشيعة 4: 752، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 17.

[66] الفقه على المذاهب الأربعة 1: 250.

[67] صحيح مسلم 1: 192/ 72، صحيح بخاري 1: 369/ 739.

[68] صحيح مسلم 1: 189، كتاب الصلاة، الباب 16، الحديث 62.

[69] سنن أبي داود 1: 309/ 932.

[70] سنن الدارقطني 1: 334/ 5.

[71] تذكرة الفقهاء 1: 118.

[72] المائدة( 5): 2.

[73] تذكرة الفقهاء 1: 118.

[74] الجامع لأحكام القرآن 1: 128.

[75] الصحاح 5: 2072.

[76] راجع الجامع لأحكام القرآن 1: 128.

[77] المصدر السابق 1: 128- 129.

[78] راجع الجامع لأحكام القرآن 1: 128.

[79] راجع وسائل الشيعة 4: 732- 735، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1 و 2.

[80] تفسير التبيان 1: 46، انظر جواهر الكلام 10: 7.

[81] العلق( 96): 1.

[82] البقرة( 2): 23.

[83] انظر الجامع لأحكام القرآن 1: 114- 115 حول الإشكال و الجواب المنقول عن ابن الأنباري.

[84] الحجر( 15): 87.

[85] التفسير الكبير 1: 218.

[86] انظر الإتقان في علوم القرآن 1: 136.

 

تفسير القرآن الكريم، ج‏1، ص: 37

بازدیدها: 3

برچسب ها

این مطلب بدون برچسب می باشد.

پاسخ دادن

ایمیل شما منتشر نمی شود. فیلدهای ضروری را کامل کنید. *

*

New Page 1